إدارة الكوارث والطوارئ التركية: 47 هزة أرضية ضربت إسطنبول خلال 3 ساعات

شهدت مدينة إسطنبول شمال غرب تركيا، الأربعاء 23 نيسان، 47 هزة أرضية خلال 3 ساعات، أقواها كان بقوة 6.2 درجات على مقياس ريختر.

وبحسب موقع إدارة الكوارث والطوارئ “آفاد”، فإن 46 هزة أرضية وقعت خلال ثلاث ساعات قبيل الزلزال الأعنف وبعده، وفقاً لوكالة “الأناضول”.

وأوضحت “آفاد” أن الزلزال الأول وقع عند الساعة 12:13 بالتوقيت المحلي بقوة 3.9 درجات على مقياس ريختر، ووقعت أصغر الهزات قبالة سواحل منطقتي سيليفري وبويوك تشكمجة بقوة 1.6 درجة، في حين وقع أعنفها قبالة سواحل سيليفري بقوة 6.2 درجات عند الساعة 12:49.

وتراوح عمق الزلازل بين 6 إلى 15 كيلومتراً تقريباً في باطن الأرض، ولم تعلن “آفاد” والجهات الرسمية المعنية عن ورود بلاغات عن خسائر بشرية.

ودفع الزلزال الذي وقع في منطقة سيليفري شمال المدينة عند الساعة 12:49 ظهراً بالتوقيت المحلي لتركيا، معظم سكان إسطنبول إلى الخروج إلى الشوارع بحثاً عن الأمان، وبحسب “آفاد” فإنَّ الهزة الأرضية تسببت بحالة من الذعر، حيث استمرت ما بين 10 إلى 15 ثانية، وشعر بها عدد كبير من السكان في إسطنبول وبعض الولايات المجاورة.

ودعت “آفاد” المواطنين إلى عدم دخول المباني المتضررة والابتعاد عن المناطق الخطرة، كما نصحتهم باستخدام الرسائل النصية القصيرة أو تطبيقات المراسلة بدلا من المكالمات الهاتفية.

وأعلن وزير الداخلية التركي، علي يرلي كايا، بدء عمليات المسح الميداني بالتعاون مع الجهات المختصة لمتابعة آثار الزلزال، وحتى الآن، لم ترد أي تقارير عن ضحايا أو أضرار جسيمة حتى اللحظة.

وأعرب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن تمنياته بالسلامة والشفاء العاجل للمواطنين المتضررين، مشيراً إلى أنَّ الحكومة تتابع التطورات عن كثب وتعمل على تقديم الدعم اللازم للمناطق المتأثرة.

تخليداً لذكراه ولمواقفه المشرِّفة.. سوريون يُحيون ذكرى وفاة رائد الفضاء اللواء محمد الفارس

يقيم السوريون في عدة مدن وبلدات، فعاليات شعبية وإعلامية وثقافية بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوفاة رائد الفضاء اللواء محمد الفارس، رفعوا خلالها صوراً له ومجسمات رمزية للمكوك الفضائي الذي حمله نحو المجد العلمي والتاريخي.

وبات اسم اللواء محمد الفارس جزءاً من سردية سوريا الحديثة التي بدأت بعد اسقاط النظام البائد، فحين ترفع صورة رجل كان رمزاً علمياً ووطنياً فهذا يعني أن الذاكرة السورية تحارب النسيان وأن البلاد ما زالت تحفل بأبطالها الأوفياء وتعيد لهم الاعتبار المعنوي والأخلاقي ولو بعد حين.

وي هذه الذكرى تذكّر السوريون صوت الفارس وحديثه ونبرته الصادقة حين تحدّث عن آلام شعبه وعن حلمه بالعودة إلى وطنه تحت راية دولة تحفظ كرامة الإنسان وتحترم العلم والتميّز فتألقت سيرته مجدداً بين الأحاديث وتناقلتها وسائل الإعلام ليُعاد إحياء قصة إنسان اختار صف الوطن لا صف النظام الذي خان الوطن.

انشقاقه عن نظام الأسد المخلوع

أعلن اللواء محمد الفارس انشقاقه عن نظام الأسد المخلوع مع بدايات الثورة السورية فكان من أوائل الشخصيات العسكرية والعلمية التي قالت لا لقمع النظام ولا لفساد منظومته الأمنية وكان ذلك الإعلان بمثابة زلزال معنوي لما يمتلكه الفارس من رمزية وطنية وعلمية وعسكرية لا يملكها غيره فاهتزّ النظام المخلوع داخلياً وارتبك أمام ما أحدثه الفارس من أثر كبير في أوساط الشعب.

بعد انشقاقه بدأ محمد الفارس نشاطاً وطنياً من نوع آخر فصار حاضراً في كل فعالية شعبية ومؤتمراً ثورياً ومعرضاً إعلامياً وكان صوته من الأصوات التي تعبّر عن ضمير السوريين جميعاً، فقد تماهى مع هموم الشعب بكل صدق وكان صريحاً في وصفه لبنية النظام الاستبدادية الطائفية ووقف داعماً لفكرة التغيير الجذري للواقع السوري نحو دولة مدنية وطنية.

واضطر محمد الفارس لمغادرة سوريا نتيجة ملاحقات النظام المخلوع وتهديدات أجهزته الأمنية التي لم تحتمل وجود شخصية ذات مكانة وطنية مستقلة، فانتقل إلى تركيا وهناك بدأ فصل جديد من حياته لا يخلو من صعوبات الغربة ومرارة البعد عن الوطن الذي أحبّه وظلّ يحلم بالعودة إليه تحت حكم جديد يحترم الإنسان ويكرّم الرموز العلمية.

ورغم غربته، بقي محمد الفارس محبوباً في الأوساط الثورية السورية، وقد أجمعت فئات واسعة من الشعب في الداخل والخارج على تقدير مسيرته واعتباره أيقونة وطنية ومثالاً للموقف الشريف فقلّما تجد شخصاً في الثورة السورية يحظى بالإجماع كما كان حال الفارس فقد وحّد حوله أطيافاً سياسية وعسكرية ومدنية في وقت كان التشرذم يخيّم على المشهد.

وفاة مُشّرِفة

غاب رائد الفضاء محمد الفارس عن الدنيا في تركيا، بعد رحلة طويلة من النضال العلمي والوطني، وكانت وفاته نتيجة تدهور حالته الصحية بعد إصابته بجلطة دماغية، وقد كانت وصيته أن يُدفن جثمانه في سوريا، الوطن الذي يُحب.

وخرج عشرات آلاف السوريين عمد تشييع جثمانخ في موكب جنائزي مهيب، يتقدمه علم الثورة وصوره وهو يرتدي بزّة رائد الفضاء التي دخل بها التاريخ السوري والعربي، وامتلأت مواقع التواصل بمقاطع التشييع وعبارات الوداع وكان الحديث الطاغي هو عن الخسارة الوطنية بفقدان رجل من طراز نادر ومتى سيكون موعد إعادة الاعتبار الكامل له من خلال دفنه في وطنه كما تمنى.

جدارته وتفوقه

اختارت وكالة الفضاء السوفيتية اللواء محمد الفارس من بين عشرات الضباط السوريين الذين خضعوا لاختبارات معقدة وصارمة للسفر في مهمة فضائية علمية على متن المكوك الفضائي السوفيتي الشهير “سيوز”، فكان هو الأجدر والأكفأ بحسب ما أظهرته النتائج العلمية والبدنية والنفسية التي خضع لها وبتفوقه أصبح أول رائد فضاء سوري وعربي يدخل الفضاء في مهمة علمية وعسكرية.

انطلقت رحلة الفارس على متن المكوك الفضائي “سيوز TM-3” إلى محطة “مير” الفضائية عام 1987 واستمرت لسبعة أيام نفّذ خلالها تجارب علمية متعددة بمجالات الفيزياء والبيولوجيا والطب، وقد تكللت الرحلة بالنجاح الكامل وسُجّلت التجارب التي أجراها في سجلات الأبحاث الفضائية الدولية لتكون بذلك مساهمة سورية خالصة في سجل التقدم العلمي العالمي.

واكتسبت الرحلة أهمية كبرى ليس فقط من الناحية التقنية، بل من الناحية السياسية والمعنوية، فقد رفع محمد الفارس اسم بلاده عالياً وأظهر أن سوريا قادرة على المنافسة العلمية رغم محدودية الإمكانات.

وكان وجود الفارس على المحطة الفضائية برهاناً على أنّ العقل السوري لا يقل شأناً عن أي عقل علمي في العالم وقد تحدّث الفارس لاحقاً بفخر عن تلك اللحظة التي وقف فيها على بعد مئات الكيلومترات من الأرض ينظر إلى كوكبه الأم.

وبعيداً عن فخرية الرحلة، لعب محمد الفارس دوراً أكاديمياً وعلمياً بالكامل، وهو ما تؤكده الوثائق التي نشرها لاحقاً، وتثبت قيامه بتجارب متقدمة في مجالات تخص الحياة خارج الأرض، وتأثير انعدام الجاذبية على أعضاء الإنسان، وتوصيل السوائل وقد استفادت مراكز الأبحاث السوفيتية من نتائجه ما جعله محل تقدير عالٍ داخل المؤسسات العلمية هناك.

وصرّح محمد الفارس -رحمه الله- في أكثر من مقابلة بأنه شعر بالفخر لتمثيله بلاده في تلك المهمة، لكنه شعر لاحقاً بالخيانة من النظام البائد الذي حوّل منجزه العلمي إلى مادة دعائية فارغة، ثم قام بتهميشه وإقصائه عن أي دور حقيقي في تطوير المؤسسات العلمية السورية، وكان دائم التذكير بأن سوريا كانت تستحق أن تصبح قوة علمية لولا الفساد السياسي الذي كبّلها.

وبقي محمد الفارس يعتز بتلك الرحلة ويراها ذروة مسيرته العلمية، لكنه كان يؤكد دائماً أن الأهم من الصعود إلى الفضاء هو الارتقاء بالوطـن نحو الأعلى، وهو ما دفعه لاحقاً للانشقاق والوقوف مع الشعب في مواجهة الاستبداد، فقد كان يعتبر أن من يكرّم العلم لا يمكن أن يكون قاتلاً لشعبه ولا عدواً للكرامة الوطنية.

إقصاء الأسد المخلوع للفارس

أظهر النظام البائد حقداً دفيناً تجاه محمد الفارس منذ لحظة انشقاقه، بل وقبلها أيضاً، حيث كانت التعاملات الرسمية معه تتسم بالتهميش والإقصاء كونه لا ينتمي إلى الطائفة الحاكمة أو مقرباً من عائلة الأسد المخلوع، ولم يكن من أصحاب الولاء المطلق للنظام بل كان وطنياً صادقاً لذلك جرى التضييق عليه حتى قبل الثورة وتم تجميد أي مبادرة علمية كان يمكن له أن يشارك فيها.

وأكد الفارس في عدة مقابلات أجريت معه، أنه طيلة سنوات بعد عودته من الاتحاد السوفيتي لم يُمنح أي موقع علمي أو إداري يساعده في تطوير قطاع الفضاء أو التعليم العلمي، بل تم تجاهله بشكلٍ متعمد لصالح شخصيات أقل كفاءة، إلا أنّها مقربة من النظام البائد ودوائره الأمنية، وكان يرى أن ذلك بمثابة اغتيال معنوي لكل طموحات الشباب السوري الراغب في التميز.

وحَرَم النظام البائد رائد الفضاء السوري من أي امتيازات كان يجب أن يحظى بها أي رائد فضاء في العالم، فلم تُصرف له مخصصات علمية أو مالية مناسبة، ولم يُدعَ إلى منتديات علمية عربية أو دولية، وكان حضوره مقتصراً على مناسبات شكلية يراد منها فقط استخدام اسمه كواجهة دعائية للنظام دون أي تمكين حقيقي أو مشاركة فاعلة.

وقد وصلت درجة حقد النظام البائد إلى منع رائد الفضاء الوطني حتى من زيارة بعض المعارض العلمية، وإغلاق الأبواب أمامه حين بادر بطرح مشاريع لتطوير التعليم التقني والبحث العلمي في سوريا.

وقد تحدث الفارس عن هذه الجزئية، مشيراً إلى مخاوف النطام البائد من عقله لا من لسانه، لأنه كان يدرك أن الفارس يعبّر عن سوريا الحقيقية لا عن صورة سوريا الزائفة التي كان يسوّقها الإعلام الرسمي.

نشأته وحياته العسكرية

ولد محمد الفارس في مدينة حلب عام 1951، ونشأ في بيئة شعبية متوسطة، إلا أنّ أسرته أولت اهتماماً كبيراً بالعلم والمعرفة، فبرع منذ صغره في المواد العلمية، وبرز كطالب متميّز في الفيزياء والرياضيات، وكان يحلم منذ مراهقته بأن يصنع شيئاً لبلاده يتجاوز حدود الواقع المعاش وينطلق نحو آفاق الابتكار.

والتحق الفارس بالأكاديمية العسكرية وتخصص في الطيران الحربي، ثم تدرّج في الرتب العسكرية حتى صار طياراً مقاتلاً في سلاح الجو، وعُرِفَ -رحمه الله- بانضباطه وشجاعته داخل الكلية وخارجها.

وأظهر الفارس تفوقاً علمياً كبيراً خلال تدريباته في موسكو، وتمكّن من إثبات جدارته في مختلف المجالات العلمية والنفسية والبدنية، ما أهّله ليكون الخيار الأول للوكالة السوفيتية، وقد تم اعتباره نموذجاً مثالياً لضابط عربي علمي يستطيع أن يكون شريكاً حقيقياً في مشروع علمي دولي.

وعُرف الفارس وسط زملائه بحسن خلقه، وبثقافته الواسعة، فكان قارئاً نهماً للكتب العلمية ومتابعاً دائماً لكل جديد في علوم الطيران والفضاء، وهذا ما أكسبه احترام المدرّبين السوفييت الذين اعتبروا أنه أحد أنجح المتدربين الأجانب في برامجهم تلك الفترة، وقد خلّف لديهم انطباعاً إيجابياً ساعد لاحقاً في تسهيل مهمة تدريبه ودمجه في طاقم الرحلة الفضائية.

إرث محمد الفارس
ترك محمد الفارس إرثاً وطنياً وعلمياً كبيراً، فهو لم يكن مجرد طيار أو رائد فضاء، وإنما شخصية متعددة الأبعاد جمعت بين العلم والنزاهة والوطنية، وقد مثّل في سيرته فكرة أن التفوّق لا يجب أن يكون حكراً على المنظومة الحاكمة، بل من حق كل سوري أن يحلم ويعمل ويصل.

وفي ذاكرة السوريين، صار الفارس رمزاً للعلم في مواجهة الجهل ،وللوطنية في وجه الاستبداد، وللنزاهة في مقابل الفساد، وقد تكرّس هذا الإرث بعد انشقاقه حين وقف مع الشعب ليكمّل سيرة حياته بشكل أكثر شرفاً وكرامة مؤكداً أن العلم لا ينفصل عن الأخلاق وأن الوطن لا يُبنى إلا بالرجال الصادقين.

وأصبح الإرث الذي تركه محمد الفارس مادة تعليمية للجيل الجديد ومصدر إلهام لمن يريد أن يخدم سوريا الجديدة، كما يُعتبر مثالاً واقعياً وانعكاساً حقيقياً لصورة المواطن السوري حين يمتلك فرصة عادلة بعيداً عن المحسوبيات والتنفيعات والوساطات والتهميش.

سيرة عطرة

تجسد سيرة محمد الفارس مأساة الشخصيات العلمية في ظل حكم النظام البائد الذي همّش العقول واحتضن الولاءات الضيقة، فقُتلت المشاريع العلمية في مهدها، وغُيّبت الكفاءات لصالح عناصر غير مؤهلة في معظم القطاعات، حتى أصبح معيار التقدم والترفُع والتطوّر في المؤسسات هو الانتماء لا الكفاءة.

وساهم فساد التعليم العالي في حقبة حكم عائلة الأسد المخلوع في تحطيم آمال آلاف الشباب السوريين الذين كانوا يحلمون بفرصة منصفة لإثبات قدراتهم لكنهم اصطدموا بجدران البيروقراطية والمحسوبيات.

وكان من المفترض أن تكون المؤسسة العسكرية راعية للتفوق والانضباط، إلا أنها تحوّلت بفعل سياسات النظام البائد إلى مرتع للتنفيعات والفوضى، قبل أن يسلّطها الأسد المخلوع على السوريين لقتل السوريين وتدمير حواضرهم ونهب ممتلكاتهم سعياً في قمع ثورتهم، والتي انتصرت رغم أنفه، وانتصرت فيها آمال وطموحات محمد الفارس -رحمه الله-.

حفار القبور يكشف هويته ويروي فظائع ارتكبها نظام الأسد البائد

أزال صاحب أحد أكبر الشهادات الصادمة عن مقابر جماعية في عهد النظام البائد والمعروف بـ”حفار القبور” الوشاح عن هويته التي بقيت مجهولة منذ تقديمه شهاداته أمام محكمة “كوبلنز” الألمانية.

يظهر اليوم بوجهه الحقيقي بعد سنوات من التخفي خوفًا من الملاحقة، حاملاً ما لا تستطيع الوثائق وحدها حمله، ذاكرة حيّة لآلاف الأرواح المدفونة بصمت، وشهادة دامغة على فظائع نظام متوحّش أثّرت في محاكمات دولية وصنعت تحولاً في ملف العدالة السورية.

من هو “حفار القبور”؟

هو محمد أسعد نايفة، من سكان دمشق، موظف مدني يعمل مُسجّلاً لطلبات الوَفَيات في مكتب “دفن الموتى” بمحافظة دمشق، لم يدرك أن اسمه سيرتبط لاحقاً بأحد أكثر ملفات الجرائم توثيقاً في تاريخ سوريا الحديث.

في مقابلة خاصة مع تلفزيون سوريا، يروي نايفة مراحل عمله داخل المقابر الجماعية، ويتناول تفاصيل مرعبة لعميات دفن ممنهجة لضحايا قضوا تحت التعذيب في الفروع الأمنية التابعة للنظام المخلوع والمشافي العسكرية.

ما بين شهري نيسان وأيار 2011، بدأت قصة نايفة الذي تحوّل من موظف مدني لمشرفٍ على عمليات دفن آلاف الضحايا في دمشق، عندما استدعاه مدير الدائرة إلى مكتبه ليتعرّف على شخصين بلباس مدني تبيّن فيما بعد أنهما ضابطان من فرع المخابرات الجويّة قاما باصحطابه إلى مقبرة “نجها” الواقعة خلف المقبرة المدنية في ريف دمشق.

هناك دفنوا فيها ما يقارب ٣٠- ٣٥ جثةً في قبور ضيقة، عرضُ الواحد منها مترٌ، وطوله متران، ورغم ضيق القبر وعدم استيعابه أكثر من جثة واحدة، كانوا يدفنون فيه ما بين جثتين وخمسة، حسب حجم الجثث.

لم يستوعب نايفة حقيقة وماهية الحدث الذي أخفاه عن مديره عندما عاد إلى المكتب. متجاهلاً سؤال مديره عن سرّ ذهابه مع الضابطين اللذيّن أمراه بالذهاب مرة ثانية معهما بعد يومين ليتكرر المشهد المأساوي.

“كانت الجثث ملفوفة بأكياس نايلون، مربوطة من طرفيها وهو ما منعني من رؤيتها، لكن آثار الدماء كان ظاهرة على عليها عند سحبها من السيارات” يشرح نايفة التفاصيل المرعبة.

ويضيف، “في المرة الثانية طلبا مني جلب عمال إلى المقبرة فأحضرت سبعة عشر عاملاً من المكتب دون أن نجرؤ على مجرد السؤال أو التفكير بالاعتراض، وعند وصولنا المقبرة المحاطة بسيارات “الدوشكا” العسكرية من الداخل والخارج، كان الضابطان هذه المرة باللباس العسكري، وقد عرّفوا عن أنفسهما فعرفت للمرة الأولى أنهما العقيد مازن سمندر، والعقيد أيمن حسن”.

كانت المرة الأولى التي يرى فيها نايفة جرافتين وشاحنات مُبرّدة في المقبرة وسط حيرة من مشهد الاستنفار العسكري أيضاً، لكنه تفاجأ بالشاحنات المبردة وهي تصعد ساتراً ترابياً ثم ترجع إلى خط ترابي محفور بعرض ٣ أمتار وبعمق ٥-٦، وما هي إلا ثوانٍ بعد فتح باب الشاحنات الخلفي حتى انتشرت رائحة كريهة ترافقت مع سقوط الجثث على طرف الخط المحفور بينها جثث أطفال، وأغلبها متحلّل ومتعفّن ومشوّه بسبب التعذيب في الأفرع الأمنية.

يوضح نايفة أن عدد الخطوط المحفورة كان ما بين ١٥- ٢٠ خط، أما عن أحجام الخطوط المحفورة فلم تكن محددة، بل متفاوتة الطول ما بين 50-١٥٠ مترًا.

أما مهمته فقد اقتصرت على مرافقة العمال والإشراف عليهم، وتصوير وثائق تتضمن معلومات عن الفرع الأمني والجثث، ثم نسخها لأربعة نسخ فقط، نسخة يحتفظ بها مكتب دفن الموتى، وأخرى ترسل للمحافظ، والنسختان الباقيتان ترسلان للضابطين في مشفى تشرين العسكري.

“القطيفة” وجهة الدفن التالية

مع نهاية عام 2011 وامتلاء مقبرة “نجها” بالجثث، كانت الوجهة إلى القطيفة (تبعد نحو 50 كيلومتراً عن العاصمة)، هناك حيث كانت التحضيرات لتحويل فسحة صحراوية كبيرة إلى مقبرة جديدة ستربط بين الفرقة الثالثة وحقل رمي تدريبي.

“رافقت الضابط إلى هذا المكان، حيث كانت الجرافات تحفر خنادق طولها ما بين ١٥٠- ٢٠٠ متر، وقد عرفت تلقائياً أنها مقبرة جديدة، قبل أن يطلب مني تحويل العمال إليها، الذين استمروا بدفن الجثث فيها يومياً حتى خروجي من سوريا ٢٠١٨”، يقول نايفة.

مرتان أسبوعياً كان يتسلّم نايفة ضحايا مجهولي الهوية في شاحنات مبردة مكتوب عليها “مسلخ الزبلطاني”، قادمين من مشافي “المواساة والمجتهد وداريا الوطني وتشرين العسكري”، ويتراوح عدد الجثث في البراد الواحد ما بين 150 وحتى 500 جثة.

إضافة إلى تسلّم سيارات شحن مكشوفة أو شاحنات صغيرة محمّلة بـ30 وحتى 40 جثة لضحايا مكبلي الأيدي مع أرقام ورموز مكتوبة على ملصقات وُضِعت على جبهاتهم وصدورهم، بعد أن أعدموا في سجن صيدنايا، وكان يظهر على أعناقهم أحياناً آثار حبل الإعدام أو قطعة منه.

يتناوب العمال على إفراغ شاحنتين، عبر دفع الجثث من داخلها نحو خطوط الدفن الترابية، ثم تبدأ علمية الطمر بطبقة رقيقة من التراب على جثث الخط الممتلئ لثلاثة أمتار، ليكملوا ملأ الأمتار الثلاثة الباقية بدفعات جديدة من الجثث في اليوم التالي.

واستطاع نايفة خلال عمله وزياراته إلى المشافي واحتكاكه بزملاء يعملون معه في المهنة ذاتها توثيق مقابر جماعية أخرى في دمشق، كمقبرة في مطار المزة بفرع المخابرات الجوية، تحت مهبط المروحيات، ومقبرة حفرها أحد زملائه في مقر الفرقة الرابعة أول منطقة الصبورة الواقعة على بعد 22 كيلومتراً من العاصمة دمشق، وكذلك مقبرة مطار مرج السلطان التابعة للمخابرات الجوية.

إضافة إلى كشفه أسماء الضباط المتورطين في عمليات الإعدام ودفن الجثث، من بينهم العميدان مازن سمندر وأيمن حسن، ومدير الخدمات الطبية، اللواء الطبيب عمار سليمان، الذي كان يرتبط بشكل مباشر مع رئيس النظام المخلوع بشار الأسد.

إلى جانب المجرم علي مملوك ضابط الاستخبارات الأبرز، والذي ظهر اسمه صريحاً في مُهمة أمنية حصل عليها نايفة، وموقّعة من خمسة ألوية، رئيس الأمن السياسي وشعبة المخابرات الجوية وشعبة فرع الأمن العسكري إلى جانب المخابرات العامة والقيادة القطرية.

مشاهد لا تغادر الذاكرة
يروي حفار القبور خلال مقابلته مشاهد عدة منها حادثة مروعة حين تحرّك أحد الضحايا فرع صيدنايا بشكل بطيء، وهو معصوب العينين ومربوط القدمين واليدين إلى الخلف، وعلى عنقه آثار حبل توحي أنه جرى إعدامه شنقاً، وعند معرفة أحد الجنود بذلك أوشى إلى الضابط الذي رفض دفنه في الحفرة وأصدر أمرًا فوريًا لسائق الجرافة بدهسه وسحق عظامه دون تردد.

وفي حادثة أخرى أكثر بشاعة ودموية، رأى نايفة -خلال زيارته مشفى المجتهد لأخذ شاحنة مبردة بالجثث- طبيباً يبكي، لأن الضباط أجبروه على كتابة تقرير طبي لطفلة عمرها سبع سنوات يبيّن أن سبب وفاتها “جلطة دماغية”، بينما كان السبب الحقيقي لموت الطفلة اغتصابها من أحد عشر شبيحاَ.

من بين أبشع المشاهد أيضاً التي تركت أثرًا نفسيًا عميقًا في نفس نايفة، امرأة تحتضن رضيعها، وقد فارقت الحياة وعليها آثار تعذيب وحشي، أما المشهد الثاني، فكان أكثر فظاعة، حيث رأى رضيعًا مهشّم نصف الجمجمة، وعليها آثار حذاء مطبوعة بوضوح حتى صدره.

لكن ما جعل الجرح أعمق، هو ذروة الحقد ومستوى التوحش والإجرام التي وصل إليها ضباط النظام المخلوع، إذ كانوا يأمرون العمال بوضع جثث الأطفال والرضع على السواتر الترابية في المقابر، ليتحولوا إلى طعام تنهشه الكلاب الضالة، في مشهد يفوق كل وصف.

يقول نايفة، “عانيت صحيًّا ونفسيًّا من مشاهد الجثث، وكنت أمتنع عن الطعام والشراب، وأميل إلى الاعتزال والبكاء”. مضيفاً، “كل تلك المشاهد كانت ترتسم أمامي ليلاً، فأشعر أن الجثث ليسوا مجرد أرقام، بل هم أهلي واقاربي.. لا تتوقف مطالباتهم لي بالانتصار لهم واسترداد حقهم وهذا كان يزيد الضغوطات النفسية والصحية عليّ”.

إلى منابر العدالة الدولية

لم يستطع حفار القبور مغادرة البلاد قبل العام 2018، بسبب شعوره بأنه مراقب طيلة الوقت، إضافة إلى اختطاف ابنه مرتين من أمن النظام البائد، وتهديد أسراته كنوع من الضغط حتى لا يفكر بمغادرة البلاد أبداً، حسب وصفه.

بعد إجراءات لم شمله من ابنته المقيمة في ألمانيا واستقراره فيها، سارع نايفة للتواصل مع الناشطة “ميسون بيرقدار”، وعبرها تعرف إلى الحقوقي “أنور البني” الذي تسلم قضيته، وعرضها على السلطات الألمانية.

أدلى نايفة بشهادة مهمة إلى محكمة “كوبلنز” التي حاكمت العقيد أنور رسلان، رئيس قسم التحقيقات في “فرع الخطيب” (الفرع 251)، بعد إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

وبعد “كوبلنز” تواصلت معه المنظمة “السورية للطوارئ” واصطحبته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قدّم شهادته أمام الأمم المتحدة في نيويورك، ومكتب التحقيق الفيدرالي FBI بشيكاغو، وأمام الكونغرس أيضاً في حزيران 2022، مرتدياً آنذاك ملابس سوداء بالكامل لإخفاء هويته.

تُعدّ شهادات حفار القبور من أقوى الأدلّة والشهادات الإنسانية ضد النظام البائد، إذ أسهمت في إثبات استخدام الإخفاء القسري والتعذيب والقتل خارج إطار القانون، ودعمت دعاوى قانونية دولية، وأثّرت بشكل فارق على الرأي العام العالمي، إلى جانب تعزيز الجهود الدولية لفرض عقوبات أمريكية وأوروبية على النظام البائد.

وكان نايفة قد طّالبَ برفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، لأن “السوريين ما زالوا يعانون من هذه العقوبات ويردون العيش بسلام في ظل الحكومة الجديدة” وفق تعبيره، داعياً الحكومة السورية للاستمرار في ملاحقة فلول النظام البائد.

“لاحقتُ النظام المخلوع ورجاله بشهاداتي وفضحتُ ممارساته الوحشية، ومستعدٌّ أيضاً لمشاركة الحكومة بشهاداتي عن معلومات لأسماء وعناوين ضباط منتمين للنظام المخلوع، ففرحة السوريين لا تكتمل إلا بتحويل الأسد وأعوانه إلى محكمة الجنايات الدولية”، يختم نايفة مقابلته.

ما رواه “حفار القبور” في مقابلته أعاد فتح جرح الذاكرة السورية الذي لم يندمل بعد، مُذكّراً بتفاصيل مرعبة عن المقابر الجماعية وعمليات القتل الوحشية الممنهجة التي نُفّذت بأوامر من النظام المخلوع.

فشهادته لا يمكن أن تكون مجرد إعادة رواية قدّمها سابقاً في المحاكم الدولية، بل هي دعوة حيّة للمضي قدمًا في ملف العدالة والمساءلة، ولتسليط الضوء على ضرورة محاسبة كل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء، والبحث عن هوية المتورطين وسلسلة الأوامر التي صدرت من أعلى هرم السلطة البائدة.

ناجون من هجوم دوما يروون شهاداتهم.. اختناق وموت داخل الأقبية

شهدت مدينة دوما في الغوطة الشرقية، خلال سنوات الثورة السورية، أحد أبشع فصول إجرام نظام الأسد، حيث تعرضت في السابع من نيسان عام 2018 لهجوم كيميائي مروّع باستخدام غاز الكلور السام.

في هذا التقرير تروي الإخبارية السورية تفاصيل الهجوم استنادا لشهادات وتوثيق أهل المنطقة ومنظمات متخصصة، حيث أفاد ناشطون محليون وشهود عيان بأن طائرات مروحية تابعة للنظام المخلوع ألقت براميل تحتوي على غاز الكلور في ذلك التاريخ، ما أدى إلى سقوط عدد من الضحايا اختناقاً، معظمهم من النساء والأطفال الذين احتموا بالأقبية هرباً من القصف الجوي العنيف.

وخلّف الهجوم آثاراً إنسانية كارثية، إذ عانى الضحايا من أعراض تنفسية حادة، وزرقة في الجلد، وخروج زبد الفم، إضافة إلى حروق في قرنية العين.

وحول حصيلة المجزرة، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان استشهاد ما لا يقل عن 55 مدنياً، وإصابة نحو 860 شخصاً بحالات اختناق، كان أغلبهم من النساء والأطفال.

هنا في مدينة دوما، لا يزال يعيش الناجون تحت وطأة ذكرى المجزرة، ورغم مرور سبع سنوات، فإنها بقيت حاضرة في ذاكرتهم وقلوبهم، بانتظار تحقيق العدالة ومحاسبة جميع المتورطين.

يسترجع ياسر الفوال، أحد الناجين من المجزرة تفاصيل دقيقة عن المأساة في شهادته لموقع القناة الإخبارية: “هذه المجزرة تركت أثراً أليماً… ترافقت مع قصف بالبراميل المتفجرة والنيران، ما دفع المدنيين إلى الاختباء في الأقبية، وبعدها بلحظات وقع الهجوم الكيميائي الذي أودى بحياة كثيرين بسبب الاختناق”.

ترافق الفوال كوابيس لم تختف حتى اليوم : “لقد أُصبت إصابة طفيفة، وشعرت بالاختناق، بينما كان أمامي العديد من الأطفال والنساء يختنقون ويفقدون أرواحهم”.

بذل الدفاع المدني جهودا لمساعدة الناجين آنذاك ، يقول عامر ظريفة، مدير العمليات بريف دمشق في حديث خاص لموقع الإخباريةالسورية، إن الفرق استطاعت إنقاذ العديد من المدنيين وانتشال جثامين الضحايا من الأقبية التي لجأوا إليها.

يقدم ظريفة معلومات عما وصفه بالشرك القاتل، وبحسب ظريفة، فإنّ استنشاق الغازات السامة أجبر الأهالي على الخروج، حيث واجهوا “مصيدة مميتة” نصبها النظام البائد، إذ وُضعت البراميل السامة عند شرفة الطابق الرابع من أحد المباني، وكلما صعد الأهالي للأعلى زاد تركيز الغاز.

كما سجلت فرق الدفاع المدني موت أشخاص اختناقاً على الأدراج، كما تم توثيق مسرح الجريمة بالكامل من قبل فرق الإنقاذ والإسعاف في الدفاع المدني السوري.

ويضيف ظريفة بالقول: “بدأت بإسعاف الضحايا، وكانت رائحة الكلور السام تملأ المكان. وقد استُهدفت المواقع بالغازات عبر الصواريخ والقذائف بهدف عرقلة وصول فرق الدفاع المدني، ومسح آثار الجريمة لمنع توثيقها أو تحديد نوع المواد المستخدمة، ما يصعّب عمل فرق التحقيق لاحقاً”.

ويستكمل مدير العمليات في الدفاع المدني بريف دمشق حديثه إلى أن الضحايا الذين تمكنوا من الوصول إلى المشفى الميداني في دوما تم إسعافهم ومساعدتهم على إزالة التلوث، وقد أُخذت عينات لتوثيق نوع الغاز وأعراضه.

بدوره، لعب مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سوريا دوراً محورياً في توثيق الجريمة، من خلال جمع المعلومات والأدلة والشهادات من الناجين وعائلات الضحايا، وتقديمها إلى الفرق الدولية.

وساهم المركز في دعم جهود المساءلة الدولية عبر تقارير دقيقة عززت المطالب بمحاسبة الجناة.

ففي هذا السياق، يشدد نضال شيخاني، مدير مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية، على أهمية إعادة فتح التحقيقات حول هجوم دوما لتحديد المتورطين الآخرين، مشيراً إلى أن المركز جمع أدلة قيّمة بعد سقوط النظام، وأن من الضروري أن تحصل الدول الأطراف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية على فهم دقيق لمحاولات إخفاء الأدلة وطمس الحقائق.

ويؤكد شيخاني أن منظمات المجتمع المدني لعبت دوراً هاماً في دعم التحقيقات الدولية، سواء من خلال توفير الشهادات الموثقة، أو تنظيم حملات ضغط تطالب بمحاسبة المسؤولين عن استخدام السلاح الكيميائي، إضافة إلى رفع الوعي العالمي بشأن الجرائم الكيميائية المرتكبة في سوريا.